الشيخ عبد الغني النابلسي

326

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

يعني لموسى عليه السلام أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [ مريم : 53 ] فكانت نبوّته ، أي هارون عليه السلام من حضرة الرحموت ، أي الرحمة الإلهية فإنه ، أي هارون عليه السلام أكبر من موسى عليه السلام سنا ، أي عمرا وكان موسى عليه السلام أكبر منه ، أي من أخيه هارون عليه السلام نبوّة ، لأنه المقصود بالإرسال إلى فرعون وبني إسرائيل وأخوه هارون عليه السلام مساعد له في ذلك كما قال تعالى : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً [ القصص : 35 ] ، أي في الأرض . ولما كانت نبوّة هارون عليه السلام من حضرة الرحمة الإلهية بموسى عليه السلام ، لأنه موهوب له من قبل اللّه تعالى بدليل الآية السابقة لذلك ، أي لأجل ما ذكر قال ، أي هارون عليه السلام لأخيه موسى عليهما السلام حين أخذ بلحيته وبرأسه يضربه على تمكين بني إسرائيل من عبادة العجل في غيبة موسى عليه السلام في ميقات ربه تعالى : يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [ طه : 49 ] ، وفي آية أخرى : وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ الأعراف : 150 ] ، فناداه ، أي نادى أخاه ، لأنه كان شقيقه بأمه لا بأبيه إذ كانت الرحمة والشفقة للأم على الولد دون الأب ، فإن رحمته أقل من رحمة الأم بولدها أوفر ، أي أزيد وأكثر في الحكم الإلهي ولولا زيادة تلك الرحمة في الأم ما صبرت ، أي الأم على مباشرة مشقة التربية ، أي تربية الولد . ثم قال ، أي هارون عليه السلام لأخيه موسى عليه السلام لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ، أي تقبض عليها وَلا بِرَأْسِي وقال أيضا له فلا تشمت بي الأعداء ، أي من بني إسرائيل الذين نهاهم عن ذلك فعادوه لقوله تعالى : وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ( 90 ) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ( 91 ) [ طه : 90 - 91 ] ، فهذا القول من هارون عليه السلام لأخيه موسى عليه السلام كله نفس بالفتح ، أي تنفس ما يجده في صدره من أنفاس الرحمة ، أي التذكير بالشفقة المقتضية تربيتهما من أمهما اليسرى حكمها بينهما أيضا وسبب ذلك ، أي سرعة معاتبة موسى لأخيه هارون عليهما السلام في عبادة بني إسرائيل العجل وضربه له وهذا التعطف والتلطف والتذكير بالرحمة والشفقة من هارون لأخيه موسى عليه السلام عدم التثبت ، أي التأني والتأمل في النظر ، أي نظر موسى عليه السلام فيما كان في يده من الألواح ، أي ألواح التوراة التي ألقاها من بين يديه وأخذ برأس أخيه يجره إليه . * * *